محمد بن جرير الطبري
276
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
4049 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " كان الناس أمة واحدة " ، قال : كانوا على الهدى جميعًا ، فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، فكان أوَّلَ نبي بُعث نوحٌ . * * * قال أبو جعفر : فتأويل " الأمة " على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس " الدين " ، كما قال النابغة الذبياني : حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً . . . وَهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ ? ( 1 ) يعني ذا الدين . * * * فكان تأويل الآية على معنى قول هؤلاء : كان الناس أمَّة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . * * * وأصل " الأمة " ، الجماعة تجتمع على دين واحد ، ثم يُكتفى بالخبر عن " الأمة " من الخبر عن " الدين " ، لدلالتها عليه ، كما قال جل ثناؤه : ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) [ سورة المائدة : 48 سورة النحل : 93 ] ، يراد به أهل دين واحد وملة واحدة . فوجه ابن عباس في تأويله قوله : " كان الناس أمة واحدة " ، إلى أن الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا . * * * وقال آخرون : بل تأويل ذلك كان آدم على الحقّ إمامًا لذريته ، فبعث الله النبيين في ولده . ووجهوا معنى " الأمة " إلى طاعة لله ، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره ، من قول الله عز وجل ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ) [ سورة النحل : 120 ] ، يعني بقوله " أمة " ، إمامًا في الخير يُقتدى به ، ويُتَّبع عليه . * ذكر من قال ذلك :
--> ( 1 ) ديوانه : 40 ، واللسان ( أمم ) من قصيدته المشهورة في اعتذاره للنعمان . يقول : أيتهجم على الإثم ذو دين ، وقد أطاع الله واخبت له ، فيحلف لك كاذبا يمين غموس كالتي حلفت بها ، لأنفي عن قلبك الريبة في أمري .